رجل لم يصم رمضان ولم يقم الليل البتة ولم يَر الكعبة في حياته ، ولكنه قدم لله ماهو أعظم من ذلك ،لقد قدم روحه لله عز وجل
<< كبير أساقفة الإمبراطورية الرومانية >>
قصة ينقلها لنا الصحابي الجليل "ابي سفيان بن حرب" رضي الله عنه ، ولعل الله سبحانه وتعالى أخر إسلامه لينقل للإنسانية قصة عجيبة لبطل عجيب من عظماء امة الإسلام ، هذا البطل كان اقوى إنسانٍ على وجه الارض في تلك الفترة ، فقد كانت قوته التي إستمدها من منصبة الديني الرفيع تؤهلة لكي يكون أعظم من "هرقل" أعظم إمبراطور في تاريخ الإمبراطورية الرومانية الشرقية .
هذا العظيم الإسلامي لم يوُلد مثلي ومثلك مسلمًا، ولم يصلَّ لله ركعة ، بل إن تاريخه في الإسلام لم يتجاوز أكثر من لحظات معدودة في عمر الزمن ، وهو مع ذلك رجلٌ سطّر إسمه في سجل العظماء بحروف كُتبت بمدادٍ من ماء العيون.
إننا نتحدث عن صاحب الموقف الرجولي الباهر ، صاحب القلب الشريف الطاهر ، صاحب العقل المضيء العامر ، إننا نتحدث عن الأسقف صغاطر .
وصغاطر هذا - والذي لا يعرفه معظمنا ، كان مجرد رجل طاعنٍ في السن لم يصم رمضان ولم يقم الليل البتة ولم يرَا الكعبة في حياته، ولكنه قدم روحه لله عز وجل ، فلقد قال هذا الرجل قولة حقٍ لم يخشَ فيها إلا الله عز وجل، مجرد كلمة خلدته في سجل الشهداء قبل أن تخلده في سجل العظماء ، ورب كلمة يقولها المرء ترفعه في عليّين ، ورب كلمة يقولها المرء تهوي به إلى أسفل سافلين ، فهذا الرجل وإن كان لم ينتصر في معركة عسكرية، إلا أنه انتصر في أشرس معركة يخوضها الإنسان منّا ، لقد انتصر عظيمنا على العدو رقم واحد للإنسان: النفس الأمارة بالسوء!
والسؤال المطروح ليس هو : من منّا لم يحارب نفسه الأمّارة بالسوء؟ بل السؤال هو : من منّا انتصر عليها؟ فحرب الإنسان مع نفسه حرب أزلية، لا تنتهي جولاتها إلا مع الرمق الأخير للإنسان، هذه الحرب تشتد وطأتها كلما زادت الفتن التي يتعرض لها الإنسان ، وصغاطر لم يكن متعرضًا لفتنة عظيمـة فحـسب ، بل كانت مكانته الدينية العظمى هي الفتنة بذاتها!
ولكي تدرك مدى التضحية العظيمة التي قام بها هذا العظيم الإسلامي في سبيل الله، فما عليك إلا أن تسأل نفسك سؤالاً بسيطًا: هل أنت على استعداد للتخلي عن وظيفتك إذا ما علمت أن فيها أمرًا يغضب الله سبحانه وتعالى من قريبٍ أو بعيدٍ؟ أترك الإجابة عن هذا السؤال لكل واحدٍ فينا كي يجيب بنفسه على نفسه بكل صدق، أما صاحبنا فلم يستغرق الكثير من الوقت ليقدم استقالته من أعلى وظيفة في سلم الوظائف الرومانية، بـل لـم يستغرق الكثير من الوقت لكي يقدم روّحه الظاهرة لله سبحانه وتعالى، فهيا بنا لنسبر أغوار هذا البطل الإسلامي العظيم صغاطر من خلال حديث عجيبٍ غاية في العجب ، رواه الصحابي الجليل أبو سفيان ، ليحفظه لنا محمود الذكر والسيرة: البخاري جزاه الله عن المسلمين كل خير.
فبعد أن استطاع رسول الله ﷺ انتزاع صلح الحديبية من بين أنياب مشركي قريش ، جاء وقت اعظم مهمة ملقاة على عاتق المسلمين ، الا وهى مهمة : التبليغ .
فما أن عقد النبي ﷺ صلح الحديبية حتى بعث برُسله الى مختلف انحاء الارض ، وكان الصحابيّ الجليل "دحية بن خليفة الكلبيّ" رضي الله عنه رسول النبي الى هرقل ملك الروم .
فذهب اليه في القدس وسلمه رسالة رسول الله :
" بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم :
سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد .. فإني أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيِّين " .
فوقف هرقل يتأمل هذه الرسالة العجيبة التي تأتي إلى قيصر أكبر إمبراطورية على الارض من رجل من جزيرة العرب لا يعرف عنه شيئًا ، فارأد أن يتأكد من صحة ما جاء فيها ، وقد كان هرقل رجلاً متديناً يعرف من بقايا الإنجيل ان نبيًا سوف يخرج في هذا الزمان، فبعث رجاله ليجلبوا له بعض العرب ليسألهم عن هذا الرجل الذي يزعم انه رسول الله ؟!!
ويشاء الله أن يتواجد "أبو سفيان ابن حرب" ونفر من قريش للتجارة في «غزة» في ذلك الوقت ، فجيئ بهم الى بلاط القيصر ليستفسر منهم حقيقة البعثة النبوية، فأحضر هرقل الترجمان ليترجم له،
فسأل هرقل التجار العرب: أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
قفال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا إليه ((فالأمويين هم أبناء عمومة الهاشمين ، حيث أن عبد شمس جدّ الأمويين هو الاخ التوأم لهاشم جد الرسول ﷺ))
فقال هرقل : أدنوه مني ، وقربوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره ، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل- يعني أبا سفيان - فإن كذبني فكذبوه!
وقد بدأ هرقل بالسؤال: كيف نسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
قال هرقل: فهل قال هذا القول من قبلكم أحد قط قبله؟
قال أبو سفيان: لا لم يدع أحد في تاريخ العرب النبوة.
فقال هرقل: هل كان من آبائه من ملك؟
فقال أبو سفيان : لا.
قال هرقل: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
قال أبو سفيان : بل ضعفاؤهم.
قال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
قال هرقل: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟
قال أبو سفيان: لا، لا يرتد منهم أحد
قال هرقل : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
قال أبو سفيان: لا ((فأبو سفيان يعرف جيدًا أن رسول الله ﷺ كان يدعى بالصادق الأمين قبل الإسلام)).
قال هرقل : فهل يغدر ؟
قال أبو سفيان : لا ، ثم قال ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.
ثم قال هرقل : فهل قاتلتموه؟
قال أبو سفيان : نعم.
فقال هرقل : فكيف كان قتالكم إياه؟
قال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه سجال. أي ينال منا وننال منه ((يقصد معركتي بدر وأحد)).
قال هرقل: بماذا يأمركم؟
قال أبو سفيان: يقول أعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركو ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة .
ولما فرغ من سؤاله عن صفات رسوله الله ﷺ وإستدلال بذلك على صدقه ، ونبوته ورسالته ،
قال هرقل لاأبي سفيان بكل وضوح: فإن كان ما تقوله حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين (أي الشام) وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولو لم أكن أظن انه منكم (وكأنه يستكثر ان يكون من العرب) ، فلو أني أعلم أخلص اليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عنه قدميه!
وفي إحدى الروايات العجيبة لهذه الحادثة، قصة وردت فيها حكاية بطلنا العظيم صغاطر، فقد ورد أن هرقل بعد توصله إلى استنتاجه بصدق رسالة محمد ﷺ التفت إلى رسول رسول الله ﷺ دحية الكلبي رضي الله عنه، وقال له: ويحك ! والله إني لأعلم أن صاحبك نبيّ مرسل ، وانه الذي كنّا ننتظره ونجده في كتابنا ولكني أخاف الروم على نفسي ، ولولا ذلك لأتبعته فاذهب الى "صغاطر" الأسقف فاذكر له أمر صاحبكم ، فهو والله أعظم في الروم منى ، وأجوز قولاً عندهم منى ، فانظر ما يقول لك
فذهب "دحية" إلى "صغاطر" كبير الأساقفة ، فأخبره بما جاء به من رسول الله إلى هرقل وبما يدعو إليه ، فقال "صغاطر" : "صاحبك والله نبي مرسل ، نعرفه بصفته ، ونجده في كتبنا باسمه.
ثم دخل البطل صغاطر فألقى ثيابًـا كانت عليه سودًا، ولبس ثيابـا بيضاء، ثم أخذ عصاه، يتوكأ بها بملابسه البيضاء، ولا شك أن هالة من نور الإيمان كانت تحيط بوجهه المشرق بالإيمان ، فخرج على الروم في الكنيسة فقال بصوتٍ عالٍ: " يا معشر الروم! إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد يدعونا فيه الى الله عز وجل ، وأنى اشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله.
فما إن فرغ البطل صغاطر من قولته تلك حتى وثب عليه الرومان وثبة رجل واحد ، واستمر الرومان بضربهم لكبير أساقفتهم صغاطر حتى فاضت روحه إلى بارئها، فرحم الله البطل صغاطر، وأسكنه الله فسيح جناته، وحشره مع حبيبه أحمد صلى عليه وسلم الذي آمن به دون أن يراه.
•
اللهم لك الحمدُ حتى ترضى، ولك الحمدُ إذا رضيت، ولك الحمدُ بعد الرضا
- البداية والنهاية ابن كثير
- الكامل في التاريخ ابن الأثير


