حول غض البصر
ا
قال ابن القيم في تفسيره:
والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه، فإذا غض بصره عن محارم الله، عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته، عوضا عن حبس بصره لله، ويفتح عليه باب العلم والإيمان، والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة، فقال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر: ٢٧].
فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل، وعمه البصيرة، وسكر القلب.
ثم قال: (فصل)
قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾
فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج. ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدر:
إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى فإن من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه، والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة، والعين رائد القلب. فيبعث رائده لنظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله، تحرك اشتياقا إليه، وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا
قلبك يوما أتعبتك المناظر
فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر يولد المحبة. فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه. ثم تقوى فتصير صبابة. ينصب إليه القلب بكليته.
ثم تقوى فتصير غراما يلزم القلب، كلزوم الغريم الذي لا يفارق غريمه، ثم يقوى فيصير عشقا، وهو الحب المفرط، ثم يقوى فيصير شغفا، وهو الحب الذي قد وصل إلى شغاف القلب وداخله، ثم يقوى فيصير تتيما، والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عبده. وتيم الله عبد الله. فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له.
وهذا كله جناية النظر فحينئذ يقع القلب في الأسر. فيصير أسيرا بعد أن كان ملكا، ومسجونا بعد أن كان مطلقا، يتظلم من الطرف ويشكوه، والطرف يقول: أنا رائدك ورسولك، وأنت بعثتنى. وهذا إنما ابتلى به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له، فإن القلب لا بد له من التعلق بمحبوب. فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلا بد أن ينعقد قلبه لغيره.


